مجد الدين ابن الأثير
451
المختار من مناقب الأخيار
وقال : لا تطلب علما تهينه للناس ، هذا الداء الأكبر « 1 » . وقال : الصبر هو الصمت ، والصّمت من الصّبر ، ولا يكون المتكلّم أورع من الصامت إلا رجل عالم يتكلّم في موضعه ويسكت في موضعه « 1 » . وقال : من كتاب كتبه إلى عليّ بن خشرم : أوصيك بتقوى اللّه ، ولزوم أمره ، والتمسّك بكتابه ، ثم اتباع آثار القوم الذين سبقونا بالإيمان ، وسهّلوا لنا السبيل ، فاجعلهم نصب عينيك ، وأكثر عرض حالاتهم عليك تأنس بهم في الخلا ، ويغنوك عن مشاهدة الملا ، ومثّل حالهم كأنّك تشاهدهم ، فمجالسة أصحاب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلم أوفق من مجالسة الموتى ، واعلم - علّمك اللّه الخير وجعلك من أهله - أنّ أكثر عمرك - فيما أرى - قد انقضى ، وأنت مطلوب ، ولا يعجز طالبك ، وأنت أسير في يديه ، فاضرع إليه تضرّع ذليل إلى عزيز ، وفقير إلى غنيّ ، وأسير لا يجد ملجأ ولا عن مقرعه « 2 » غنى ، خائف مما قدّمت يداه ، غير واثق بما يقد عليه ، لا يقطع الرجاء ، ولا يدع الدعاء ، ولا يأمن الفتن والبلاء . واعلم يا علي أنه من ابتلي بالشّهرة ومعرفة الناس فمصيبته جليلة ، فجبرها اللّه لنا ولك بالخضوع والاستكانة والذّلّ لعظمته ، وكفانا وإيّاك فتنتها وشرّ عاقبتها ، وإنما أنت في محلّ موتى ، ومقابر أحياء ، ماتوا عن الآخرة ، ودرست طرقها آثارهم ، هؤلاء أهل زمانك ، قبور لا يستضاء فيها بنور اللّه ، ولا يستعمل فيها كتابه إلا من عصم اللّه ، ولا تبال من تركك منهم ، ولا تأس على فقدهم ، واعلم أنّ حظّك في بعدهم أوفر من حظّك في قربهم ، وحسبك اللّه فاتخذه أنيسا ، ففيه الخلف
--> ( 1 ) الحلية 8 / 241 . ( 2 ) كذا في الأصلين « أ ، ل » ولعل الصواب : « مفزعه » . وفي الحلية : « ولا مفرا يفر إليه عنا » .